الآلوسي
150
تفسير الآلوسي
بتوجيه القصر بالقياس إلى مفعول آخر كما هو الشائع في موارد الاستعمال كأنه قل : ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي منه تعالى دون الاختلاف والاقتراح ، وفي التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى * ( هَذَا ) * إشارة إلى القرآن الجليل المدلول عليه بما يوحى إليّ * ( بَصَائِرُ منْ رَبِّكُمْ ) * أي بمنزلة البصائر للقلوب بها تبصر الحق وتدرك الصواب ، أو حجج بينة وبراهين نيرة تغني عن غيرها فالكلام خارج مخرج التشبيه البليغ ، وقد حققت ما فيه على الوجه الأتم في الطراز المذهب ، أو فيه مجاز مرسل حيث أطلق المسبب على السبب ، وجوز أن تكون البصائر مستعارة لإرشاد القرآن الخلق إلى إدراك الحقائق ، وهذا مبتدأ وبصائر خبره ، وجمع خبر المفرد لاشتماله على آيات وسور جعل كل منها بصيرة ، و * ( من ) * متعلقة بمحذوف وقع صفة لبصائر مفيدة لفخامتها أي بصائر كائنة منه تعالى ، والتعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد وجوب الإيمان بها ، وقوله سبحانه وتعالى : * ( وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) * عطف على بصائر ، وتنوينهما للتفخيم ، وتقديم الظرف عليهما وتعقبهما بقوله تعالى : * ( لقَوْم يؤْمنُونَ ) * كما قال شيخ الإسلام للإيذان بأن كون القرآن بصائر متحقق بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع ، وأما كونه البعض من أن الثلاثة للمؤمنين ، فقد قال النيسابوري في التفسير : إن البصائر لأصحاب عين اليقن والهدى لأرباب علم اليقين والرحمة لغيرهم من الصالحين المقلدين على أتم وجه والجميع لقوم يؤمنون ، وذكر نحو ذلك الخازن وادعى أنه من اللطائف وهو خلاف الظاهر بل لا يكاد يسلم ، وهذه الجملة على ما يظهر من تمام القول المأمور به . واحتج بالآية من لم يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه نظر . * ( وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَانُ فاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * . * ( وَإذَا قُرىءَ الْقُرْءَانُ فاسْتَمعُوا لَهُ وَأَنْصتُوا ) * إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن ، والاستماع معروف ؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى وأن تكون صلة ، أي فاستمعوه ، والإنصات السكوت يقال : نصت ينصت وأنصت وانتصت إذا سكت والاسم النصتة بالضم ، ويقال كما قال الأزهري : أنصته وأنصت له إذا سكت له واستمع لحديثه ، وجاء أنصته إذا أسكته ، والعطف للاهتمام بأمر القرآن ، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى : * ( لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته ، والآية دليل لأبي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه قرأ ، ويؤيد ذلك أخبار جمة ، فقد أخرج عبد بن حميد . وابن أبي حاتم . والبيهقي في سننه عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت وإذا قرىء القرآن الخ . وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناساً يقرؤون خلفه فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا * ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا ) * كما أمركم الله تعالى .